لأعزائنا الصغار

رسامات

عيون بخديدا

Museum متحف

أرشيف الاخبار

فنانونا السريان أعلام

أرشيف الموضوعات

نمرود قاشا

من الذاكرة الخديدية

الشيخ باهي دديزا
(القسم الأول)
 

E: namroud_kasha@yahoo.com

من خلال إستعراضي لتاريخ بلدتي العزيزة "بغديدا" قديماً وحديثاً لم أقرأ أو أسمع أن لقب "شيخ" أُطلق على أحد أبناء هذه البلدة. كثيرة هي الألقاب التي حصل عليها عن جدارة أبناؤها الذين قدّموا خدمات جليلة ينحني التاريخ لها دماً أو مالاً أو فكراً أو تضحية الجميع يستحقوا أن تكتب سير حياتهم بطريقة تُليق بهم وأن تكون هذه السير مناراً للأجيال وعبرةً لهم، فمن خلال هذا المقال أوجه ندائي لمن يمسكوا بالقلم بأن يحركوه وفق ما تنضح به أفكارهم خدمة لتاريخهم الشخصي أولاً وبلدتهم ثانياً وأجيالها ثالثاً وأخيراً...

أعود الى موضوع الألقاب فأقول، كثيرة هي التسميات التي أطلقت على أُناس إستحقوها عن جدارة فقالوا (الخواجا، البيك، الباشا، الأفندي)[1]، أَغا[2]، ولكن لقب "شيخ" لم يستحقه وحسب معلوماتي البسيطة إلاّ هذا الإنسان المبارك (باهي دديزا).

عشيرة دديزا، إحدى العشائر العريقة في بغديدا والتي نزحت قديماً من قريتي (أرموطه وكويسنجق المسيحيتين)[3]. ساهمت ولازالت في خدمة هذه المدينة وأعطت في سبيل ديمومتها دماً وعرقاً أَو مالاً أن تطلب الأمر ذلك، أنجبت الكثير من الأعلام في المجالين الكنسي والثقافي، فلا بد أن نذكر بكل تقدير وإعتزاز الأبوين يوسف ومنصور دديزا وبحو، ججي، أكو، حبيب، يلدا، دانيال، فيدو، مجيد، وماروثا، توما، حنا وآخرون لازالوا يُكملون الدرب الذي خطه أجدادهم.

- الشيخ الذي ظلمه التاريخ

قليلة هي المصادر التي وثّقتْ تاريخ هذه البلدة في العصر الحديث فهي لا تتعدى أصابع اليد الواحدة في كتب صدرت لتحكي قصة هذه البلدة أرضاً وإنساناً.

قد تكون أغلب الوثائق قد فقدت نتيجة للصراعات والنكبات التي كانت بغديدا مسرحاً لها، إضافة الى أن الكتابة كانت مقتصرة على أُناس معدودين وكانت الكنائس هي الأماكن التي تحفظ فيها هذه الوثائق، ولكن!! ما حال هذه الوثائق إذا تعرضت الى تدمير وحرق لأُناس كانوا أقرب الى الوحوش عندما دمّروا كل شيء وحاولوا أن يقضوا على كل حركة حتى ولو كانت تصدر من بهائم فكيف حال الإنسان إذن.. هذا بالنسبة للفترة التي سبقت الحربين العالميتين (1914، 1945). التاريخ الحديث لم يكتب عن تاريخ هذه البلدة ما يوازي تاريخها العريق والعتيق والسحيق...

وعليه تصفحت ما كتب في تاريخ أبناء بغديدا فلم أستطع أن أشفي غليلي، ولكن لا بد من الإستعانة بما كتب لما تمثله هذه الحالة من توثيق.

- ماذا كتبوا عنه؟

1. المؤرخ عبد المسيح بهنام المدرّس (القس موسى) في كتابه قره قوش في كفة التاريخ الصادر في 1962 كتب معلومات بسيطة عن بعض العاملين للمصلحة العامة في بغديدا إذ يقول:

الشيخ باهي دديزا، إشتهر بكرمه الحاتمي حتى طارت شهرته الى المدن والقُرى المجاورة وبين القبائل الرحالة، حيث كان يضيف مَنْ يقصده منهم ويكرمه بكلّ ما يطلبه من طعام ولباس ونقود حتى ولو كان هو أحوج من السائل الى ذلك الشيء، كما وأنه ذلك الشخص الغيور الذي عاضد وحرض على تشييد كنيسة الطاهرة الجديدة وبذل لها مالاً طائلاً من حسابه الخاص. وكان يجمع أكثر من خمسين شاباً في الليالي المقمرة ويقودهم الى العمل في حفر أُسس هذه الكنيسة وإعداد ما يلزم لإقامتها دون ملل أو ذكر أو ضجر ويسهر معهم ليالٍ بأكملها".

هذا كُل ما ذكره الكاتب عن الشخصية، مدار بحثنا، الشيخ باهي دديزا عبارات جميلة، مقتضية ولكنها لا تشفي الغليل، ولم ترد إشارة أُخرى الى هذا الإنسان في هذا المؤلف.

2. الأب د. سهيل قاشا في كتابه "ذكرى ووفاء" الصادر في بيروت 2007 وفي هذا الكتاب والذي هو عبارة عن سيرة ذاتية لجده (متي بهنام قاشا) وفي الصفحة (98) يتحدث عن علاقة جده بالشيخ باهي دديزا إذ ورد في الكتاب النص التالي:-

إشترك مع الشيخ باهي دديزا وشخص من سكان قرية كهريز المدعو (ملا محمد) في بستان زرعوه في قرية (حميرة) وبتوالي الزمن فسخوا الشركة، علماً أنه هو بالذات لم يستفد من البستان أي شيء فآنسحب بكل هدوء عن هذا الأمر، وبالتالي ملا محمد إغتصب البستان وتملّكه لنفسه".

هذه هي المعلومة الوحيدة التي يذكرها الأب قاشا عن موضوع بحثنا.

3. "قصائد سريانية شعبية" هذا عنوان لكتاب أعدّهُ وحققه الأب لويس قصاب وصدر عن دار مار بولس/ 20005 هذا الكتاب تضمّن مجموعة قصائد شعبية باللغة العربية والسورث قالها الشاعر بحو دديزا في عدة لقاءات معه أجراها المؤلف في تموز 1950 وقد كتب مقدمة هذا الكتاب سيادة المطران مار باسيليوس جرجس القس موسى.

وقد جاء في المقدمة: بحو دديزا سليل أُسرة كانت الثقافة والمكانة الإجتماعية والريادة يُشار لها بالبنان في مجتمع ريفي طبع على الطيبة والتديّن والأصالة، فهو شقيق القس منصور دديزا الذي يلهج الخديدون حتى اليوم بصوته الرخيم ودماثته وتعلقه بالعذراء مريم" ويضيف سيادة المطران في مقدمته عندما يأتي الحديث عن الشيخ باهي دديزا بالقول:

الشيخ باهي، الذي لمع إسمهُ بالكرم والشهامة بين عشائر العرب والحضر في النصف الأول من القرن الماضي.

هذا كُل ما كتب عن هذا الخديدي الأصيل الذي طارت شهرته الى أغلب مناطق العراق، فلا تستغرب إذا سألك شخص ما من الرمادي أو تكريت أو حتى من وسط وجنوب العراق من أية منطقة أنت وقلت له: من قره قوش (بغديدي)، ليقول لك إذن أنت من بلدة الشيخ باهي دديزا نعم، هكذا إنتشرت شهرته وذاع صيته ليتجاوز مساحة هذه المدينة الصغيرة في وقت كانت فيه وسائل الإتصال والتنقل محدودة جداً وذلك في النصف الأول من القرن الماضي.

لقد كان البيت الذي نشأ فيه يضم مدرسة من الأعلام فعمه (القس يوسف دديزا) رئيساً لكهنة قره قوش وشقيقه القس منصور دديزا رئيساً لدير مار بهنام وأول مدير لمدرسة قره قوش الإبتدائية الرسمي وشقيقه الآخر (بحو دديزا) "يمد يده الى تراب الحقول الخديدية وبيادرها ليستل منها حزماً من الأشعار والقوافي في جرأة الرؤاة الملهمين وعفوية القرويين"[4]. أما شقيقه الثالث "أَكو دديزا" فكان مختار بغديدا مولع بالكتب والأسفار. هذه هي (دوحة) هذا الشيخ الفاضل.

أتمنى أن أوفق في القسم الثاني من سيرة هذا الرجل- المعلم كي أنقُلَ بعضاً ممّا قيل فيه لأُناس كانوا قريبين منه أو نُقِلَ لهم بعضاً من سيرته.


 

[1]- 1، 2، 3، 4 كلمات تركية تعني: الأخ، السيد، المعلم، المحترم.

[2]- 5 أغا: كلمة فارسية تعني السيد.

[3]- 6، 7: ارموطه وكويسنجق: ارموطه قرية تابعة الى قضاء كويسنجق ولا تبعد عنها إلاّ قليلاً، وكويسنجق تبعد عن أربيل 3كم.

[4]- قصائد سريانية شعبية/ الأب لويس قصّاب 2005.

 

الشيخ باهي دديزا

 

 

(القسم الثاني)

 

(1) إِضاءة

في القسم الأول من هذا (التقرير) حاولتُ أَن أُدَوِنْ ما نُشِّر عن هذا الخديدي المبارك (الشيخ باهي دديزا) في مطبوعاتٍ صدرت في الخمسين سنة الأخيرة ورغم قلتها وبساطة ما نشر عنه، دونتها لكي يبقى للقارئ تصور عن ما كُتب عنه من قِبَلْ كُتابٌ آخرين. أُحاول في المعلومات التي أُنشرها أَدناه أن أنقل بعض الحقيقة من أفواه أُناسٍ عاصروا هذا الإنسان ولازموه طوال سِنِّي عمره وكانوا قريبين منه ورغم تجاوزهم العقد السابع من عمرهم إلاّ أن ذاكرتهم لا تزال مُتقِدَة بشكل يتذكرون التفاصيل الصغيرة والصغيرة جداً من الحياة اليومية في ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي. كان من المفروض أن تقوم جهة ما بأرشفة هذه الذاكرة لأن الرؤوس التي تحملها محدودة جداً، إنهم يحملون تاريخ وذاكرة هذه البلدة التي يحبوها كما نحبها نحن بشكل غير إعتيادي.

المعلومات المدونة عن أحداث تلك الفترة قليلة إن لم نقل معدومة، وطالما الأمر هكذا فلا دَّ إِذن من خلق أَرشيف لبغديدا قبل أن تسمح هذه الذاكرة. إنه نداء ليس إلاّ.

(2) مَنْ هو الشيخ باهي؟.

الشيخ باهي، هو باهي بن توما دديزا، مواليد 1886[1] تسلسله ضمن إخوته الخمسة يكون الرابع وعلى النحو التالي (حنّا، بحو[2]، أكّو "يعقوب"[3] باهي، منصور[4] "القس").

تزوج من إشبع بطرس قابو، توفيت ولم يُخلِّفْ منها وتزوج مرة ثانية من مريم متي قاشا رزق بولدين الأول توفي وهو طفل صغير والثاني توفي أيضاً بعمر (خمس سنوات) سُمي بـ (بهنام) وعليه كان الشيخ باهي يُكنى بـ (أبو بهنام). عمه القس يوسف دديزا[5]، هذا الإنسان الذي توسم فيه المطران بهنام بني[6] النجابة والذكاء مع صفات أُخرى تؤهله للكهنوت ليعينه في خدمة رعية بغديدا فكان مثالاً للحكمة والفطنة فحباه الله بصفات جعلته مثالاً لكل المؤمنين.

 

 

 

جده "دديزا" القادم من منطقة (أرموطه وكويسنجق)[7] نتيجة للأوبئة التي ضربت المنطقة وإنتقل مع إخوانه الى كرمليس، ونظراً لإنتشار مرض الهيضه (الزوعة)[8] في المنطقة ووفاه إخوته الثلاثة ممّا إضطر إلى مغادرتها بعد أن ترك أمواله هناك وجاء إلى قره قوش (بغديدي) ليعمل في عمل الشورة (البارود)[9] وتزوّج بعد فترة من إِمرأة من بيت (القس بطرس) له منها ولدان (القس يوسف) وتوما هذا هو نسب باهي توما دديزا (أبو بهنام).

(3) هل إِستحق (أبو بهنام) لقب شيخ عن جدارة؟.

الشيخ كلمة عربية جمعها (شيوخ، مشايخ، مشيخة) وتعني المتقدم في السن أو من إستبان فيه السن وظهر عليه الشيب، وقد يُقال شيخ قبيلة أو قد تكون لقب رئاسي في بعض بلدان الخليج. وأخيراً يُطلق هذا اللقب على شيخ قرية أو عشيرة عمدتها فهو بكل الأحوال منصب أو موقع لممارسة سلطة. هذا هو معنى الكلمة، ولكن ما هي مواصفات الإنسان الذي تُطلق عليه هذه الكلمة؟

الشيخ يجب أن يكون بعمر يسمح له أن يحمل هذا اللقب، إضافة إلى أن يكون أخرى مثل سديد الرأي، متزن، كريم، مضحي، أَبيّ النفس، أصيل، شجاع، وطيب هذه هي صفات الإنسان الذي يمكن أن يحمل كلمة "شيخ" السؤال هنا هو، وقبل أن أَسرد بعض أعمال هذا الإنسان المبارك، هل ينطبق تعريف كلمة شيخ عليه؟ هذا أولاً، وثانياً الصفات المذكورة أعلاه هل هي ملازمة لهذا الإنسان؟ لا أُريد الإجابة على هذين التساؤلين ولكن أدعوكم لقراءة سيرة هذا الرجل وبعدها يمكنكم الإجابة على كل هذه التساؤلات.

(4) الدار المضيف و "أَبو بهنام"

المضيف، هو مكان إستقبال الضيوف وإكرامهم، والمضياف (تُقال للمذكر والمؤنث) للشخص الذي يستقبل ويُرحب بهم فيُقال: محب للضيوف، كثير الضيوف.

إذن هل كان للشيخ باهي مضيف، ومن كان يقوم بواجب الضيافة، وأين وصلت شهرة هذا المضيف؟.. كل هذه الأسئلة وأُخرى غيرها حملتها أثناء زيارتي للعم (فيدو ججي يوسف دديزا- (82) عاماً) إبن عم الشيخ باهي وأحد الذين عملوا في هذا المضيف مع إخوانه وأبناء عمّه (يعقوب وبحو).

 

 

مكان هذا المضيف هو دار (العم فيدو) الحالي والذي تدخل إليه من خلال قنطرة طويلة ومقببة تؤدي إلى ممر طويل يقودك إلى دار (العيله) والذي يضم عوائل (ججي، يعقوب، بحو، باهي) ملحقه بهذا الدار إضافة إلى المضيف الذي يحتل مساحة كبيرة من الدار، هناك غرف ملحقة به مخصصة للضيوف. لم يبق من البنايات التي أشرت إليها غير القنطرة، وبقي هذا الدار يضم كل عائلة (آل دديزا) حتى نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات حيث بُنيت دار كبيرة مقابلهِ تماماً سكنت فيه عائلتي (ماروثا، يعقوب) أما عائلتي (بحو، مجيد) فقد تم بناء  دور أُخرى لهم..

هذا الدار- المضيف يعجُّ بالحركة منذ ساعات الفجر الأولى، حيث النساء يقمن بتهيئة العجين، فهذه زوجة (ججي دديزا) تساعدها نسوة أُخريات في التناوب على (الجفنه) الكبيرة التي تسع لنصف كونية طحين.. إذا كان هذا حال نساء آل دديزا فالرجال إذن لهم دور في إستقبال الضيوف سواءً من (الغديداي) أو أبناء القرى المجاورة الذين يزورون المنطقة لقضاء حاجة ما خاصة وإن لم يكن يعرفوا أحداً من أبناء بغديدا فيكون المضيف الخاص بالشيخ باهي هو المكان الذي يجدون فيه الراحة، الدفء وتنفيذ طلباتهم إن كانت متعلقة مثلاً والمبيت أحياناً في حالة تأخيرهم أو عدم وجود واسطة نقل متوفرة لهم تؤمن لهم العودة إلى مناطق سكناهم.

دلال القهوة، الفناجين ونار (الموكَد) وتهيئة مستلزمات المضيف الأُخرى من دون أن ينسوا حتى (عليق) حيوانات الضيوف.

 

 

ردود حول القسم الأول من موضوع (الشيخ باهي دديزا)

1. الأخ نمرود قاشا: مقالة توثيقية رائعة وفي شوق للجزء الثاني منها.

شكراً أخونن نمرود

عدنان حبش/ كندا

2. كنا نسمع كثيرا عن الشيخ باهي وعن غيرته على بلدته وشجاعته وكرمه وكل هذه الصفات رفعته إلى منزلة الشيوخ

لكن السيد نمرود قاشا كان الأكثر وفاءً من غيره لتاريخ بلدته والذي هو بالنتيجة جزء من تاريخه الشخصي فقدم هذه الدراسة القيّمة عن هذا الرجل الشيخ قلت في أكثر من مناسبة علينا أن ننصف رموزنا وأعلامنا ومعلمينا وجهاءنا. وجاء اليوم هذا الرجل الوفي ليحكي لنا قصة الشيخ باهي وما قدمه لبغديدا العزيزة من حاله وماله نتمنى للكاتب والباحث نمرود قاشا كل التوفيق لأجل إعلاء صرح بغديدا من خلال استنهاض تاريخها ليكن ذلك التاريخ منهلاً منه نستلهم معاني النهوض في حاضرنا.. مع بالغ التقدير..

أخوك زائر/ ألمانيا.

3. عاشت أناملك على ذكر الماضي، عاش قلمك على ذكر التاريخ الذي يرفع من قره قوش.

أخي إن كتاباتك إنْ دلَّتْ على شيء فتدل على أصلك الكريم في سرد شيء ربما تناسوه البعض منا من اجل تاريخنا نحن القره قوشيين وما أجمل الأيام الخوالي بما كانت تحمل من البساطة والحب والشجاعة كما كان يروي لنا أبي فكنت انظر إليه وأنا مُتعجّبٌ بما كانت تحمله من معانٍ ربما غابت في وقتنا الحاضر.

أخوك منهل دديزا/ ستوكهولم.

4. الأستاذ نمرود قاشا المحترم:

أُحيّيك أطيب التحايا لما قدمته في هذا البحث الجريء عن احد أهم الرموز في بغديدا والذي هو سليل عشيرة من العشائر التي زرعت كل معاني المحبة والوفاء والثقافة في بلدتنا الحبيبة بغديدا، إن هذا دليل الوفاء الذي علينا أن نتحلى به جميعا لأجل قول ما يجب قوله، نعم لقد ظلموا الشيخ باهي وحاولوا تهميش دوره عن قصد أو من غير قصد لكنكم اليوم وضعتم نقاطكم المضيئة على حروف الماضي التي حاول الكثيرون التعتيم عليها..

شكراً مرة أخرى ونحن بآنتظار الجزء الثاني من بحثكم متمنين أن تستمر مثل هذه المقالات والبحوث عن كل المبدعين في بغديدا.

فارس دديزا/ استراليا- ملبورن

5. أخي نمرود: مقالة توثيقية رائعة، عاشت الأيادي التي خطتها، قبلاتي الحارة لكم.

أخوكم عبد النور مجيد ديديزا/ لندن

....................

في العدد القادم

1- دور الشيخ باهي دديزا في بناء كنيسة الطاهرة الكُبرى.

2- لماذا لم يُمنَحْ الوسام البابوي؟.

3- الشيخ (بزيع) من الرمادي يهدي شقيقته زوجة للشيخ باهي.

4- سعيد عكار والد الفنان جبار عكار في مضيف الشيخ باهي.


 

[1]- تم تقدير مواليده إستناداً إلى ثلاثة مصادر الأول عمر شقيقه الأصغر (القس منصور) هو 1888 وفيدو دديزا مواليد 1926 وبطرس قابو مواليد 1924 حيث عاصرا موضوع البحث.

[2]- بحو دديزا: أو عبد الأحد مواليد 1876 كتب الشعر بالسريانية (السورث) والعربية (العامية) وبأسلوب شعبي على السجية ومن وحي الفطرة القروية البريئة توفي سنة 1955.

[3]- أكو دديزا: كان مختاراً لبغديدا، مولعاً بالقراءة والكتب والأسفار إسمه الصحيح (يعقوب).

[4]- الأب منصور دديزا: هو عبوش (عبدالله) بن توما دديزا مواليد 11/ تشرين الأول/ 1888 رُسِمَ كاهناً في 23/ أيار/ 1915 على يد المطران بطرس هبرا، مديراً لمدرسة قره قوش الأبتدائية (1920- 1928) ثم رئيساً لدير مار بهنام (1928- 1936) ثم رئيساً لكهنة قره قوش (1943- 1953) أَقعده المرض بعد عام 1956 حتى وفاته في 21/ تموز/ 1962.

[5]- الأب يوسف دديزا: مواليد 20/ تموز/ 1865، رسم كاهناً في 27/ آذار/ 1892 إستلم رئاسة دير مار بهنام لفترات عديدة، بعدها رئيساً لكهنة قره قوش عام 1930 خلفاً للأب جبرائيل حبش، وظلَّ يخدم الرعية حتى وفاته في 15/ آب/ 1943.

[6]- المطران بهنام بني: هو بطريرك أغناطيوس بهنام بني، مواليد الموصل 15/ آب/ 1831، رسم كاهناً في (ماردين) على يد البطريرك أنطون سمحيري في 16/آذار/1856 وافته المنية في 13/ أيلول/ 1897.

[7]- أَرموثا أو أرموطه قرية مسيحية قديمة تقع إلى الغرب من قضاء كويسنجق وتبعد عنه 3 كم، يعود تاريخها إلى ما قبل دخول الإسلام إلى المنطقة، كانت عامرة بالقصور والكنائس والأديرة والمدارس الدينية ومعنى الكلمة (أَر أو أَرعا) ومعناها الأرض و (موتا) وتعني الموت ليصبح المعنى (أرض الموت).

[8]- الزوعا: وهو مرض الكوليرا ويسمى أيضاً الهيضة وقد حصد هذا المرض الكثير من أطفال البلدة.

[9] - الشورة: هي عملية إستخراج خام البارود من التراب الذي يحتوي على أملاح البارود ويُسمى (تراب شور)، واشتهرت عائلة الشورجي بهذه المهنة ومنها أخذت التسمية.

 

"القسم الثالث"
 

Namroud_kasha@yahoo.com

- كنيسة الطاهرة، وبعض ممّا في الذاكرة

كانت كنيسة مار يوحنا أكبر كنائس بغديدا الست قبل عام 1931، في هذه السنة زار القاصد الرسولي "أنطوان درابيه"[1] قره قوش وكان "المطران جرجس دلال"[2] يرافقه في هذه الزيارة، الخديديون وجدوا في هذه الزيارة فرصة لكي يفاتحوا سيادة راعي الأبرشية بضرورة بناء كنيسة أُخرى للبلدة وخاصة بعد الزيادة الحاصلة في نفوس البلدة منذ إفتتاح كنيسة مار يوحنا (1909).

القاصد الرسولي لم تَرُقْهُ الفكرة على أساس "عدم الحاجة إلى بناء كنيسة جديدة وإن كنيسة مار يوحنا كافية في الوقت الحاضر"[3]  خرج الخديديّون من المجلس غاضبين، لعدم الإستجابة لمطالبهم لكنهم أََصرّوا على تنفيذ الفكرة وتضاعفت غيرتهم وقرروا المباشرة فوراً بتهيئة متطلبات البناء.

- الشيخ باهي مع اللجنة العليا يُباشر بالعمل.

لقد توكل الخديديون على الله وأنفسهم بعد موقف القاصد الرسولي إضافة إلى اللجنة العليا[4] التي كان يترأسها الوكيل "عبو يونو قاشا"[5] فكان أول عمل تقوم بهذه اللجان هي توفير الجص والحجر "قصد الموصل الوكيل عبو قاشا ونوح قاشا والشيخ باهي دديزا وصليوا إشا وزاروا السيد سالم نامق ليسمح لهم بنقل الجص من قرية (إحميرة) العائدة له وزاروا كذلك (آل الطالب) لغاية نقل الحجارة من قرية (طواجنه). ثم السيد يونس سياله لنقل الحلان من جبل عين الصفرة"[6]. وقرية ترجله حيث عائلة أَحمد أيوب. هذا ما قامت به هذه اللجنة في اليوم الأول من مباشرتها المهمة الموكلة لها وهي الحصول على الموافقات الأصولية لأصحاب مقالع الحجر والحلان والمرمر والجص لغرض نقلها إلى مواقع العمل..

اللجنة الأُخرى ترأسها الشماس أكو (يعقوب) دديزا، مختار بغديدي وشقيق الشيخ باهي يرافقه كل من بهنام قريو، بابا إينا، شعيا ساسون وغيرهم.

هذه اللجنة نفذت ما إِتفقت عليه اللجنة العليا وبدأت في اليوم التالي عمليات نقل المواد الأولية إلى المكان المخصص لبناء كنيسة الطاهرة (الواقعة على حدود الكنيسة القديمة لإدخالها ضمن الأرض المزمع البناء عليها)[7] هذه المجاميع عملت طوال أيام الأسبوع ولكن ليوم الأحد نكهة خاصة، فهذا هو يوم راحة بالنسبة للجميع، راحة بالنسبة لأعمالهم الخاصة ولكن بما أن العمل هو خاص للكنيسة فيهرع كل من يستطيع العمل من أبناء بغديدا في هذا اليوم إلى مواقع العمل ليكون لهم شرف المساهمة في بناء هذا الصرح الشامخ.

الشيخ باهي دديزا بعد ستة أيام من العمل المتواصل، ففي يوم الأحد "كان الشيخ باهي يركب فرسه ماراً بالطرقات يحرض الشباب لنقل الحجر إلى الأكوار لتحضير الجص وهكذا تمت عملية النقل طوال مدة الإنشاء"[8].

- الشماس بطرس قابو وحديث عن " أبي بهنام"

- بطرس شابا قابو، أبو بشار شماس رسائلي، مواليد 1924، إرتقى المذبح وهو في الثانية عشرة، زميلي الباغديدي بشار كتب عنه، رغم كل ما يُقال بحقه يبقى قليلاً فهو ذاكرة حية ومُتَّقِده لكل تاريخ بغديدا ورموزها حاورته في موضوع واحد فقط وهو "الشيخ باهي" الذي عاصره وكان قريباً منه، وكيف لا يكون قريباً منه وزوجته الأولى (إشبع) من بيت قابو فهو يُناديه (إبن أُختي) شهد عن قرب حادثة وضع حجر الأساس لكنيسة الطاهرة ويتذكر بالتفاصيل الدقيقة اللُقى التي ضَمَّها صندوق الذخيرة.  

وعن دور الشيخ باهي في التهيئة لإقامة هذا الصرح الكبير يقول محدثنا:

1. إضافة إلى ما قام به من الإتصال بوجهاء الموصل والمنطقة مع اللجنة العليا لتأمين المواد الأولية، بدأت عمليات نقل هذه المواد حيث تكفل بها عدد من الأشخاص الذين يمتلكون عربات نقل منهم: خضر جبو، خضر خوشابا (طيبا) عبو صغار (سكه)، وبكو ككي وآخرون كان "أبو بهنام" يقود هذا الرتل من العربات إضافة إلى مجموعات كبيرة من الشباب إلى المقالع الخاصة بالحجر، يشجعهم ويحفز فيهم الغيرة والنخوة وهو يمتطي فرسه كان يُنادي عليهم كلما شعر بأن التعب أَخذ منهم مأَخذ "إِيكينا آيالي دبابي" أي أين أبناء أَبي، ويقصد بها إخوته وهم الشباب المرافقين للعربات الخاصة بنقل المواد. وهذا العمل إستمر طيلة فترة نقل الحجارة، وكان هذا الرتل يتكون بحدود (20) عربه تسلك طريق الموصل القديم، حيث معمل الزفت الحالي متجهين إلى قرية "الطواكنه" وكذا هو حال "الشيخ" مع الأرتال التي إتجهت نحو تل عين الصفرة حيث مقالع الجص.

2. في صباح الحادي عشر من آب 1932 كانت بغديدا على موعد مع سيادة راعي الأبرشية (المطران جرجس دلال) حيث أرسى الحجر الأساس في الركن الشمالي الشرقي وألقى كلمة على الحاضرين يطلب فيها مساعدتهم ويحرضهم على التبرع من أجل إقامة هذا المشروع الكبير، وتأكيداً لنداء راعي الأبرشية تقدم الشيخ باهي ليطلب من كل نساء "آل دديزا" بالتقدم إلى حيث اللجنة الخاصة بالتبرعات ويُقدّمنَ كل الحلي الذهبية أو الفضية التي كُنَّ يلبسنها وهكذا كان هذا النداء بمثابة النار التي سرت في الهشيم، حيث تدافع الرجال والنساء وراحوا بكل غيرة يعطوا من تجود به أنفسهم الكريمة، ومع أصوات الطبل والزرنة وهلاهل النساء وأصوات المنادي "ميخا عبادة" هذا الشيخ الوقور الذي كان يُنادي بأسماء المتبرعين.

3. الشيخ باهي من أكثر المُنادين بضرورة إنشاء الكنيسة "وقد عاضد وحرّض وبذل لها مالاً طائلاً من حسابه الخاص، بل كان المؤسس الأول لهذه الكنيسة بجمع شباب القرية في الليالي المقمرة ويسهر معهم في حفر الأساسات"[9] يبدو أن تأثيره بالشباب كان كبيراً، فكلّما إحتاجت اللجان الخاصة بالبناء إلى أيادٍ عاملة إضافية تُنجز العمل في بناء كنيسة الطاهرة للفترة (1932- 1948) وخلالها شاركت كل عشائر وعوائل بغديدا، كلاً حسب طاقتها المادية والبشرية، ولكن طالما نحن بصدد دور هذا الإنسان، فقد تبرع هو وإخوانه من المواد النقدية والعينية الكثير وهنالك قوائم بالأشخاص المتبرعين، قد تُنشر في يوم ما.

أولى مساهمات هذا الإنسان عند الخطوة الأولى تبرعه (بمخزن حنطة كامل)[10] يُقال بأن كميته تزيد على (20) طغار إضافة إلى سرداب كبير من التبن، هذا في حملة تبرع واحدة عند بداية المباشرة بالعمل، أما وقد إستمر العمل بحدود (15) سنة فخلال هذه الفترة أيضاً كانوا يعززون خزينة المال العام بأموال أو مواد عينية إضافية.

 

- لماذا لم يُمنح الشيخ باهي الوسام البابوي؟.

في عام 1948 أُكملت كنيسة الطاهرة، وحدد 7/ تشرين الثاني/ 1948 والذي يُصادف (أحد تقديس البيعة) للأحتفال بتكريسها فقد إستعد الرؤساء والأهالي لهذه الإحتفالية الكبيرة[11] والتي ترأسها راعي الأبرشية المطران قورلس جرجس دلال وحضرها جمعٌ كبير من الموصل، برطلة، كرمليس وتلكيف. تمَّ خلال هذه الإحتفالية توزيع الأوسمة البابوية للشخصيات التي قدمت عطاءً كبيراً في بناء كنيسة الطاهرة[12]. ولكن للحقيقة والتاريخ إن أسماءً أُخرى إضافة إلى ما ورد في "الإرادة البابوية" ومن هؤلاء الأشخاص موضوع بحثنا هذا الشيخ الجليل الذي وضّحنا في أعلاه الأعمال التي قام بها، إضافة إلى أعمال أُخرى لم تجد من يوثقها فقد أصابها النسيان، ولكن يبدو أن هناك أسماء أُخرى تناستها اللجنة "فلما أُذيعت أسماء المرشحين لنيل هذه الأوسمة تذمر بعض الأشخاص الذين كانوا يرون أنفسهم أَحق من بعض المرشحين بالنسبة إلى الأعمال البارزة وقد أيّد الآخرون كثيراً من الناس المطلعين على حقيقة الواقع وكان من ضمن المغبونين الشيخ باهي دديزا" (12).

لكن يبدو بأن هناك أمر ما خارج إرادة راعي الأبرشية أو تفاجأ بعدم ظهور أسماء كان المفروض أن تكون من ضمن القائمة، وبعضهم قد توفوا قبل إنجازه ومن الذين يستحقون الأوسمة إضافة للقائمة أعلاه من تأسيس المشروع حتى نهايته مثل: القس بهنام دنحا والقس توما إسطيفو والأب يوسف دديزا ومنصور دديزا".

وبما أن الأمر أصبح بحكم المنتهي وقد صدرت القصادة الرسولية، فمن غير الممكن إجراء أي تغيير عليها "أما وقد أصبح الأمر مفروغاً منه فإن سيادة راعي الأبرشية وزّع الأوسمة بصورة سرية على القره قوشيين التسعة أما العاشر فكان معمار الكنيسة"[13].

ورغم كل ما أُثير من جدل حول أَحقية هذا الشخص أو ذاك بالنسبة للطريقة التي أُختير بها الأعضاء العشرة، إلاّ أن الجميع وبدون إستثناء عمل بروحية عالية في خدمة (بغديدا) حتى وإنْ شعر في يوم ما بالغبن في جانب ما، نتمنى أن تُرفرف روحية هؤلاء (الرجال الرجال) على سماء بلدتنا ولا تغادرها لأننا منها نستلهم الأصالة والجذور وكل العِبَرْ الطيبة وتشدنا الغيرة، غيرتهم لهذا التراب كي لا نساوم عليه في يوم ما أو ندع لأقدام قد لا يرتاحوا إليها أجدادنا من أن تدنس ذراته الصافية صفاء روحهم.

................

في العدد القادم:

- الشيخ بزيع من الرمادي في ضيافة الشيخ باهي.

- سعيد عكار والد الفنان جبار عكار في مضيف الشيخ باهي.

 


[1]- أنطوان درابيه: جاء إلى الموصل في عام 1922 سكرتيراً للقاصد الرسولي

 

(فوانسوا دومنيك بيريه) والذي توفي في الموصل

 

1929 فخلفهُ للفترة (1929- 1937) ثم نقل إلى فيتنام وتوفي بتاريخ 30/ 7/ 1967.

 

[2]- المطران جرجس دلال: أُسندت إليه رئاسة أبرشية الموصل بأمر قداسه البابا بيوس الحادي عشر

 في 31/ 7/ 1926،

 

من أعمال سيادته في قره قوش: فتح روضة ومدرسة أهلية للبنات وجمعية خيرية 1927

 

موقفه المشرف من دعاوى الأراضي، توفي عام 1945.

 

[3]- الفولدر الخاص بإفتتاح كنيسة الطاهرة بعد التجديد الأخير في 4/ تشرين الأول/ 2005.

 

[4]- اللجنة العليا كانت تضم كل من: حنّا إسطيفو، كرومي قصّاب، نوح قاشا، عبو شيتو،

 

كرومي إينا، باكوس حبش، جبو قاشا،

 

 كرومي فرنسو، ججي سكريا، موسى سكريا، بحو كجو وغيرهم.

 

[5]- عبو يونو قاشا: عيّنهُ راعي الأبرشية وكيلاً لأموال كنيسة الطاهرة بعد وفاة (عمه) جرجيس قاشا،

 

ولما توفي 1943 دققت

 

حسابات الكنيسة فوجد بذمة الكنيسة (130) دينار صرفها من جيبه فتنازل عنها أخوه رفو قاشا:

 

 إستلم وكالة الكنيسة بعد وفاته

 

إبنه يوسف عبو قاشا.

 

[6]- الأب سهيل قاشا/ كنائس بغديدا- بغداد 1982. جبل عين الصفرة: جبل يقع شرقي الموصل

 

ويبعد عنها (20) ميل

 

وهو يشرف على سهل نينوى، إرتفاعه (670) متر، وقد عرف بهذا الأسم لأن في سفحه الشمالي

 

عين معدنية يُقال لها العين الصفراء.

 

[7]- الأراضي التي أُقيمت عليها كنيسة الطاهرة كانت عائدة لعوائل خديدية مُنحت للكنيسة لقاء

 

إقامة حسنه سنوية على أنفُس موتاهم أو مجاناً وآخرون لقاء مبالغ زهيدة ومن هذه العوائل:

 

موسى ويونو ولدا بابا سكريا، مرقس وفرنسو،

 

عبوش وروفو كذيا، متي بهنام قاشا، فتوحي وكوما ولدا بطرس جعو،

 

دانيال وبطرس وبهنام بوسا، منصور وعيسى بلو.

 

[8]- 8. الأب سهيل قاشا/ كنائس بغديدا- بغداد 1982.

 

[9]- عبد المسيح بهنام المدرّس/ قره قوش في كفة التاريخ- بغداد 1962.

 

[10]- نفس المصدر.

 

[11]- من الشخصيات التي حضرت إحتفالية تكريس كنيسة الطاهرة القاصد الرسولي

 

(مار إسطيفان دي شيلا) والمونسينور

 

يوحنا باكوس عن أبرشية بغداد والمطران أسطيفان كجو عن أبرشية الموصل للكلدان

 

والمطران يوحنا نيسان

 

عن أبرشية زاخو والمطران روفائيل ربان عن أبرشية العمادية والأب يوسف أومي

 

رئيس الرسالة الدومنيكية بالموصل.

 

[12]- عبد المسيح بهنام المُدرّس/ قره قوش في كفة التاريخ- بغداد 1962.

 

[13]- نفس المصدر. وهذه أسماء الأشخاص الذين منحت لهم الأوسمة البابوية:

 

1. نوح متي قاشا/ وكيل الكنيسة 2.

 

 رفو يونو قاشا/ أمين صندوق الكنيسة 3. جبرائيل جرجس قاشا 4. موسى بابا سكريا 5.

 

ججي كرومي سكريا 6. حنّا اسطيفو سكريا 7.

 

 باكوس حبش 8. عبو شيتو 9. كرومي ججو القصّاب 10. رؤوف حنّا الأسود/ معمار الكنيسة.

 

 

"القسم الرابع"

الموضوع منشور في العدد (29) من مجلة النواطير

 - الشيخ باهي بين الموصل وبغديدا

 

رغم محدودية وسائط النقل في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي إلاّ أن السفر يبقى ضرورياً لتحقيق غرض ما أو قضاء حاجة. كالتبضُّع مثلاً أو زيارة صديق أو قد تكون حُبّاً للإستطلاع.

الموصل كانت مفتاحاً للإكتشاف والتعرف على عالم آخر، جديد في كُل شيء: أسواقه ومقاهيه وحركة الآليات فيه وشوارعه ونوعية الناس التي يتم التعامل معها، فبموجب هذه السياقات كان السفر إلى هذه المدينة يجري بموجب تقاليد خاصة ولأُناس يتطلب تواجدهم فيها ضرورة فالسفر هي متعة وثقافة وحُب الإطلاع.

الشيخ باهي دديزا كان بحكم مكانته وعلاقاته الواسعة بالكثير من الشخصيات من أهل المدينة أو أطرافها والذين كانوا يترددون عليها، فكان كثير السفر إلى الموصل بشكل يكاد يكون شبه يومي نتيجة لعلاقاته مع بعض الشخصيات المتنفذه في الموصل الآغاوات ومسؤولي الدوائر الحكومية فيها والتُجّار وكل هذه العلاقات تصب في خدمة بغديدا وأهلها.

في عام 1934 وفي إحدى زياراته للموصل تعرّف على أَحد شيوخ الرمادي "الشيخ بزيع"[1].

- إبن الدليم وشيخهم بزيع يتعرّف على شيخ باهي

في عام 1934 ونتيجة لأحدى زيارات الشيخ باهي إلى الموصل، كانت سمعته قد سبقته إلى شخص قادم من إحدى مناطق الرمادي، غادر منطقته نتيجة للقحط الكبير الذي أصاب المنطقة لعدم تساقط الأمطار مما أُضطر أهل المناطق غير مضمونة الأمطار البحث عن مناطق مضمونة أو شبه مضمونة الأمطار حيث العشب والتبن المصدر الوحيد والرئيسي فقاد إبن الرمادي ورجاله حلالهم ليستقر به المقام في الموصل ونتيجة لعدم وجود لديه معارف فيها وعدم استعداد القسم لإستقباله، وصلت إلى أسماعه عن طريق أَحد أغوات الموصل بأنه هناك إنسان خَيّر من بغديدي (قره قوش) يُدعى "الشيخ باهي" يتردد بشكل مستمر إلى إحدى مقاهي الموصل.

وفي أحد شتاءات هذه السنة إلتقى إبن الرمادي بـ " أبي بهنام" في إحدى مقاهي الموصل، بعدما إنقطعت السبل أمامه في إدامة الحياة "للمئات من حلاله" من غنم وجمال وخيول إضافة إلى مجموعة كبيرة من الرجال تتولى مسؤولية هذه المجموعة.

الشيخ بزيع شكر للشيخ باهي على إستضافته إلى أن "يفرجها" الله وتتضح الأمور وعندها يكون لكل حادث حديث.

قال الشيخ باهي لضيفه: وصلت، إن شاء الله ونحن بإنتظارك يوم غد صباحاً مع حلالك أخاً وصديقاً، وإنْ سهّل الله سنكون قادرين على الإيفاء بكل إلتزامات الضيافة.

صافحه الشيخ بزيع بقوة محيياً وشاكراً على أمل اللقاء صباح اليوم التالي في بغديدا (قره قوش).

- مَنْ هو الشيخ بزيع؟

الشيخ بزيع واحد من شيوخ الدليم (الرمادي) المعروفين والمعروف بكرمه وسدادة رأيه، محبوب بشكل كبير من قبل عشائر الدليم، لا زال أولاده وأحفاده يُشار لهم بالبنان أينما حلّوا وإرتحلوا نتيجة لذاكرة الطيبة والتي تركها. ولا زال أهله وأبناء عمومته عندما يتعرفوا على واحد من "الغديداي" يحترمه ويقدره لتلك الذاكرة الطيبة التي تركها في علاقته مع الشيخ باهي.

شقيقه الشيخ "كردي: زار بغديدي أيضاً في نهاية (1934) وبقي فيها ضيفاً لأكثر من أسبوعين يرافقه (عبد) يسمى ذَلُولْ كرمهُ الشيخ باهي بـ (قاط) وعباءة قبل أن يشد الرحال ليُسافر إلى أهله سالكاً طريقه (السلامية) ممتطياً جواد وخلفه العبد.

إمرأة بزيع هي الأُخرى زارت بغديدي بعد أن توطدت العلاقة بين عائلة الشيخ باهي وعشيرة "آل بزيع" فآستُقبِلَتْ بترحاب كبير من قبل عائلة "آل دديزا" وكذلك العوائل الخديدية بشكل عام عندما أرادت أن تعود إلى ديارها أُجِّرتْ لها سيارة خاصة أوصلتها إلى أهلها في الرمادي، وهناك وثيقة تُذكر هذه الحادثة بخط المرحوم (مجيد ججي دديزا) مؤرخة في 16/ آب/ 1934 تجدها منشورة مع هذا التقرير.

 

- الشيخ بزيع وبعض مما لا زال في الذاكرة

كثيرة هي المصادر[2] التي تُذكر حادثة تواجد "الشيخ بزيع" في بغداد قسم نقل شفاهاً إلى أولاده ولا يزالوا يتذكرون التفاصيل الدقيقة لهذه الزيارة لأنهم عاشوا أحداثها، رغم إختلاف تفاصيل نقل الحادثة من واحد لآخر لكنهم يتفقون على الخط العام للحالة.

هذه المرة حملتُ أوراقي من دون أن أنسى "كامرة" زميلي متي كذيا ليوثق بالصورة إضافة إلى الكلمة هذا اللقاء مع أب ومُرَبٍّ تربوي وأحد أعمدة التعليم في بغديدي، يتذكره بتقديرٍ عالٍ جيل الخمسينات، فكم وكم جبين مسحته أنامله الدافئة، وكم وكم قطرة عرق نضحت كلآليءٍ طرزت مقاعد الدراسة.

المربي الكبير (دانيال عبد الأحد باهي دديزا)[3] سبعة وسبعون عاماً رغم وضعه الصحي تحدث إلى "النواطير" بعض من طلابه الذين مروا من تحت بوابة "قره قوش الإبتدائية" حيث كانت الخطوة الأولى في عالم آخر. إبنُ أخ الشيخ باهي ليتحدث عما تخزنه ذاكرته من أحداث الثلاثينيات والأربعينيات. وهذه المعلومات أكدها لي آخرون أشرتُ عليهم في القسمين الثاني والثالث من هذا الموضوع.

 

 

 

- الشيخ بزيع في بغديدا

كلمات إبن بغديدا وشيخها أَدخلت الدفء في قلب إبن الرمادي والذي قطع مئات الكيلو مترات من أجل ديمومة الحياة في حلاله نتيجة لموسم قحط. إستيقظت بغديدا في أحد شتاءاتها على أصوات المئات من رؤوس الغنم والجمال والخيول محاطة برجال يقودونها إلى دار الشيخ باهي والذي إستعد لإستقبالهم فقد هيأ المكان والطعام والراحة للرجال وفي نفس الوقت فتح سرداباً للتبن وآخراً للشعير وذلك لكي يكسر الجوع والظمأ لمئات من الحلال.

نعم... لقد كان الشيخ "بزيع" محل إكرام وتقدير عال من عائلة الشيخ باهي أولاً وأهل بغديدا ثانياً ضيفاً عزيزاً مكرماً وكيف لا يكون كذلك وهو ضيف على واحد من أبنائها الذي له مكانة إجتماعية كبيرة لدى أهلها.

وبقى هذا الشيخ لفترة تجاوزت الشهر الى أن بدأ البرد يخف وتظهر طلائع الربيع إستعد الشيخ بزيع إلى الرحيل والعودة إلى دياره ولكن قبل اليوم المخصص لمغادرة بغديدا (قره قوش).

في اليوم المحدد للمغادرة جمع حلاله في ساحة "البيادر" أو الحضيرة حيث قام الرجال المرافقين له بجعل الحلال حصتين على أساس أن يقسم بالتساوي بين الشيخ بزيع والشيخ باهي نتيجة لما قدمه من خدمة وأرسل بطلب الشيخ باهي ليختار إحدى الحصتين.

وعندما وصل هذا الخديدي إلى (مكان القسمة) ليختار إحدى الحصتين إبتسم وقال للشيخ الضيف:

- إن حصتي يا عزيزي الشيخ بزيع هو رضاك أولاً، وما قمنا به ما هو إلاّ جزءاً من الواجب وحتى لا تزعل علينا (طلب من أحد رجاله أن يأتيه بـ فرس من إحدى الحصتين).

- ولكن كرمك يا شيخ باهي أنقذ حلالي من الهلاك نتيجة للجفاف وإذا أردت الأمر هكذا، فلتكن فرسي الشخصية إذن هديتي لك عندما قاد الرجال فرس الشيخ بزيع هدية إلى الشيخ باهي ثم وُدِعَ الضيف بحفاوة من قبل الحاضرين وقد سلك طريق (ناقورتايا) للعودة إلى دياره.

..............

في العدد القادم

- تكملة علاقة الشيخ بزيع مع الخديديين.

- ستار عكار والد الفنان جبار عكار في بغديدي.

- أعمال إنسانية كثيرة للشيخ باهي.


[1]- الشيخ بزيع: هو الشيخ بزيع فتيخان أبو ريشه من عشائر ألبو ريشه الدليمية الزبيدية من عشيرة الدليم الكبيرة التي قادت النضال الوطني

 

العراقي ضد الإحتلال البريطاني حتى نهاية العشرينيات. والشيخ بزيع شارك في إنتفاضة مايس 1941 وهو والد الشيخ (عبد الستار بزيع أبو

 

ريشه) والذي إستشهد بتاريخ 14/ أيلول/ 2007 وآبنه حالياً (أحمد عبد الستار بزيع أبو ريشه) رئيس مجلس صحوة الأنبار، (إذا كان توقعي

 

صحيحاً).

 

[2]- هذه الحادثة معروفة ويتداولها الكثيرون لحد الآن، لا بل عاشوا تفاصيلها رغم إختلاف النقل من شخص لآخر لكنها تتفق على مبدأ واحد

 

إضافة إلى وجود وثائق مكتوبة تؤرخ هذه الحادثة لا تزال موجودة عند أهل الشيخ باهي.

 

[3]- دانيال عبد الأحد دديزا: مُربي تربوي وواحد من أعمدة التعليم في بغديدا، مواليد 1931، خريج الدورة التربوية 1952، تم تعيينهِ معلماً

 

بتاريخ 23/9/1953 وهو إبن أخ الشيخ باهي. 

 

الموضوع منشور في العدد (31) من مجلة النواطير

 

الشيخ باهي دديزا

 

(القسم الخامس)

 

- الشيخ بزيع يعود إلى الرمادي

غادر الشيخ بزيع في ربيع 1934 قاصداً دياره في محافظة الأنبار وبقيت كلمات الشكر والإمتنان للغديداي ممثلين بشيخهم (باهي دديزا) لما قدموه له ولرجاله من أصول الضيافة والواجب وهذا هو ديدنهم وكيف لا يكونوا كذلك وبغديدا كانت خيمة ملوّنة لكل من دخلها، يجد فيها الدفء والحنان والقلب المفتوح والإبتسامة التي لا تغادر شفاههم وبعد أن أستقر إبن الرمادي في مدينته (سولف) لأهلها طيبة وعفوية الناس الذين عايشهم أكثر من شهر وكانوا له إخوه وأصدقاء أوفياء لا بل أهل وما قدموه له يجب أن لا ينساه وسيظل يتذكره هو وأولاده وأحفاده وأبناء ديرته بينما تبقى المسألة عند الغديدايا بأن ما قاموا به لا يُشكل إلاّ واجباً ملزماً تجاه ضيفهم خاصة وهم يتذكروا العشرات من العوائل الخديدية تنعم بحب إخوان لهم في قرى الحاوي، الجزيرة وحتى تكريت معزّزين مكرمين من أبناء هذه القُرى.

 

 

- أَبناء الرمادي في بغديدا مرة أُخرى

لم تمضِ سوى أسابيع ليُرسل الشيخ (بزيع) ثلاثة من رجاله إلى بغديدا ليشكروا هذا الإنسان الخديدي المبارك على الواجب الذي قام به تجاه شيخهم، فقد تم إستقبالهم بشكل يُليق بهم واستضافتهم ومن التقليد المتعارف عليه أن لا يسأل المستضيف ضيفه إلاّ بعد إنقضاء ثلاثة من الضيافة وهكذا بعد اليوم الثالث بينوا للشيخ باهي الغرض الذي جاءوا من أجله وهو تقديم الشكر والإمتنان له ولكل أهل بغديدا، فردّ الشيخ باهي الشكر بأفضل منه وحمّلهم تحياته مع رسالة يقول فيها:"أخي الشيخ بزيع، أشكرك على الهدية وأقبلها، وأحمل ضيوفي أجمل تحياتي، وإن سهل الله سأكون عندكم بعد عشرين يوماً".

 

 

- الشيخ باهي في الرمادي

بعد عشرون يوماً من مغادرتهم بغديدا، وكما إتفق معهم على زيارة الرمادي غادر الشيخ باهي متوجهاً إلى الرمادي، حيث بلدة الشيخ بزيع والشيخ (علي سليمان)[1] صديقه الحميم أيضاً مستصحباً معه إبن عمه (ججي القس يوسف دديزا) مستقلين سيارة (ياقو مقدسيه)[2] في قرية الشيخ بزيع، كان الأهالي على أَحر من الجمر لرؤية (هذا الشيخ البخديدي) والذي كانت أخباره قد سبقته من خلال ما قيل عنه من قبل شيخهم والرجال المرافقين معه، وقد أَنقذ حلالهم من الهلاك المحتوم من دون مقابل غير كلمة شكرٍ من شيخهم فكيف لا يستقبلوه إذن بالأحضان والقُبل.

عندما يكون الضيف ذا مرتبة خاصة عند أهل الرمادي فبالإضافة إلى الضيافة الإعتيادية التي يبالغون فيها كانت تُقام حفلات غداء أو عشاء على شرفه يحضرها كل أهل القرية.

إستصحاب الضيف إلى رحلة صيد الغزلان، هذا العمل لا يقوم به المُضيف إلى ضيفه إلاّ إذا كان تقديره خاصّاً وهكذا كان "الكانوص"[3] يتقدم الرجال وهم يجوبون صحراء الرمادي التي تمتد حتى الحدود الأردنية وقطعان الغزلان فيها بكثرة الغنم لقلة وجود وسائل صيد حديثة في حينها.

أربعة أيام قضاها الشيخ باهي في الرمادي ليغادر في اليوم الخامس معززاً مكرماً وقد أرسلوا معه سيارة خاصة وقد مُلأَتْ بالغزلان المصطادة لتوزع فيما بعد على الأهل والجيران.

 

- الفنان سعيد عكّار في بغديدا

سعيد عكّار[4]، رائد الأغنية البدوية في العراق وأفضل من قدم هذا اللون القوي والشجي وبرفقه ربابته الشهيرة، والتي هي مزيج من الخشوع والفرح. هذا الفنان كانت سمعة الشيخ قد سبقته فقرر أن يُغني في مضيف الشيخ باهي.

في أحد شتاءات عام (1940) دخلت إلى بغديدا سيارة "تنتا" يقودها الفنان عكّار وبعد أن إستقبله الشيخ باهي مرحِّباً به ومُحيياً قال له عكّار:

- لقد وصلت أَخبار كرمك وأعمالك الخيرية على مساحة العراق، وأنا أجوب كل المناطق كنتُ حاضراً في الكثير من المضايف فلهذا قررتُ أن أزورك وأهديك سيارتي الخاصة أرجو أن تقبلها لأنني سمعتُ بأنك تُسافر إلى الموصل بشكل يومي تقريباً فتُساعدك في تسهيل الكثير من الأمور.

- ولكنني يا سعيد، لا أعرف قيادة السيارة، وأمور السفر يدبرها الله، مع هذا أشكرك وأُحيّي فيك هذه الروح فأنت أخ وصديق عزيز.

فقد تم تهيئة "الأودة" الخاصة بالضيوف والأيوان الملحق بها لأُمسية يحييها مطرب العراق الأول "سعيد عكّار". جاء المساء ليبدأ ضيوف الشيخ بالتوافد ليأخذوا أماكنهم في المكان المُخصص يتصدره موظفو الدولة والمعلمين والوجوه البارزين في بغديدا، الصوبه الخشبية تتوسط الغرفة لتساعد أوتار عكّار في نشر الدفء في نفوسهم. كان يوماً مميّزاً أن يتعرف أهل بغديدا على إنسان إنتشر صوته على مساحة الوطن من خلال "القوانات".

 

وبعد أن أسدل الليل سدوله، ومع سكون ليل بغديدا الصامت والذي كسرته شجن ربابه عكّار وهو يُردد:

 

يا شيخ يَلِّي شاع طيبك والأذكارْ

يا نخوتي يا زين حِمْل الشمايلْ

 

 

وهكذا كانت ليلة تناسى فيها الخديديون زمهرير البرد في شتاءٍ قاس كان صوت عكّار فيه وهو يصرح بالأبوذية والمربع في تناغم رائع مع أوتار الربابة، فلم يغادر (الجمهور) دار آل دديزا إلاّ مع ساعات الفجر الأولى فكانت ليلة لا تنسى، ليلة الليالي.

في صباح اليوم التالي غادر هذا الفنان بغديدا بحفاوة لا تختلف عن الليلة السهرة، بعد أن ألبسه الشيخ باهي بدلته التي ربما يكون قد إحتفظ بها للعيد..

- ولكن البدلة بحاجة إلى عباءة يا شيخ باهي "قالها سعيد عكّار".

- وليكن ما تُريد يا فنان العراق الأول "ونزع العباءة الخاصة به ليلبسها لضيفه مُحيياً ومودعاً.

- آخرون أَيضاً مدحوا الشيخ باهي

ليس غريباً أن يمتد ذكر هذا الإنسان الخيّر، ليتجاوز مساحة (بغديدا) هذه المدينة الهادئة والمُسالمة إلى مساحة كل الوطن الكبير، فمن الموصل كانت الرمادي وبغداد وصلاح الدين، جنوب العراق أيضاً كانت له حصة في هذا الذكر الطيب.

وهناك تسجيل لقصيدة طويلة في ذكر أعمال هذا الإنسان مغناة بلهجة بدوية ولشاعر أو مطرب قد يكون مجهولاً في الوقت الحاضر، قسم من الخديديين كانوا يحتفظون بها ولكن عاديات الزمن جعلتها في حكم المفقودة.

هذه مجموعة أبيات من قصيدة طويلة في مديح الشيخ باهي للشاعر (نجم حويحي الجبوري) ويقال بأن منطقة هذا الشاعر محصورة بين القيارة والشرقاط، قالها في هجو (بني قومه) وأهله بالذات وذلك لكونهم تخلّوا عنه في ظروف كان فيها بحاجة إلى دعم ليكون (الشيخ باهي) ملاذه الأخير حيث وجد عنده الدفء وتحقيق المراد، ونظراً للهجاء الكبير لأهله وصل الأمر بهم إلى مقاضاته أمام المحاكم وهذه أبيات منها:

بالَكْ تْمُرْ بالحَمَّامْ لو بوادي مِرْعي تنام

بي ذِيابْ تعوي هُوَ مَسْكَنْ الهوامْ

تلفي ل (باهي) بـ (قره قوش)

ودوم يهلي بطروش

وما يبزع من كثر الروش

وليش ما تصير مثل باهي

والبدلة وفنجان الراهي

وَمَلْكاه أَخْيَّرْ مِنْ الأيدامْ

 

 


[1]- الشيخ علي سليمان: شيخ مشايخ الدليم (أكبر عشائر المنطقة الغربية) فقد أستلم أولاده وأحفاده المشيخة بعده، ولده (حاتم) أحد الرموز الكبيرة في العشائر العراقية وحفيده (علي) 35 عاماً هو حالياً زعيم تنظيم عشائر الدليم الأكبر في الأنبار وعضو مجلس النواب العراقي. ونتيجة لعلاقة الشيخ (علي سليمان) القوية بالشيخ باهي يُقال إنه ترأس وفد حكومي مكلفاً من بغداد برعاية أحد الإحتفالات في الموصل في بداية الخمسينات  لكونه أحدأعضاء مجلس النواب العراقي وأثناء الإحتفال وقع نظره على كاهن يجلس في المقدمة مع المدعوين وسأل (المتصرف) الذي كان بجانبه عنه فقال له: إنه الأب منصور دديزا من بغديدا (قره قوش)، وبمجرد سماعه بالإسم نهض من مكانه ليسلم على الأب منصور ويقبله ويأخذ بيده ليتوسط المكان بينه وبين المتصرف وذلك لكونه إبن أخ الشيخ باهي.

[2]- ياقو مقدسيه: هو يعقوب سمعان الجميل كان يمتلك واحدة من السيارات القليلة الموجودة في بغديدا وهي نفس السيارة التي مشي بها على أساس كنيسة الطاهرة أثناء مراحل بنائها الأولى.

[3]- الكانوص: كلمة بالعامية محورة من لفظة (القناص) العربية وهي تطلق على الشخص الذي يجيد إستخدام البندقية بشكل دقيق في الصيد ويتقدم دائماً سيارة الصيد.

[4]- سعيد عكّار: رائد الأغنية البدوية في العراق والوطن العربي، وهو أفضل من قدم هذا اللون برفقة ربابته الشهيرة والتي جعلت البعض من الأوربيين ينظرون إليه بأعجاب شديد وصل الأمر بأحد المسؤولين الأسبان على تسميته (زرياب الثاني) إبنه (جبار عكَار) سيد الأُغنية البدوية بالعراق، حظي بشهرة كبيرة أكثر من والده وذلك لعد وجود تسجيلات آنذاك. وقد شكل علامة بارزة في الساحة الغنائية العراقية. (سعيد عكّار)، مواليد بغداد/ منطقة الشواكة وجبار (مواليد) 1922 توفي عام 2003 عن عمر (80) عاماً ومن منّا لا يتذكر

 

أبياته المشهورة:

هلي الما لبسوا خادم سملهم

وعلى روس العِدا  باقي سملهم

وان كان اهلك نجم اهلي سمالهم

كواكب بدر نجم الدجي

كان سعيد عكّار يتردد على كبار الشخصيات في الدولة وشيوخ العشائر، وقد أرسل الملك غازي في قصر الزهور بطلبه وكان معه إبنه (جبار) وقد إمتدح الملك بيت من الأبوذية التالي:

يغازي الملك دوم النصر يداك -وعلى كل الأيادي تطول يداك

وبعون الله ومناتي يكون يداك - ملك تحمي البلاد اليعربية.